L'ACTUALITÉ

عن أي حاملي شهادات تعليم عالي نتحدث؟

الإثنين 15 فيفري 2016

 

وأنا أهم بكتابة هذه الأسطر تذكرت مقولة للمفكر السوري برهان غليون حين دعا المفكرين العرب بقوله: «على كل كاتب عربي أن يقول كل شيء عاريا كما هو» واليوم حان الوقت بأن نعري حقيقة شهائد التعليم العالي ومدى أحقية حامليها في الشغل أكثر من غيرهم.

 

هل نتحدث عن أولئك الذين قبل تخرجهم كانوا بالفعل طالبي علم ومعرفة نظرية كانت أو عملية؟ عن أولئك الذين اشتغلوا بجدية لما كانوا بالجامعة يحضرون الدروس والأشغال المسيرة وتلك التطبيقية، يطالعون ويحررون، وينشطون فكريا أو وثقافيا أو رياضيا ضمن نوادي أو جمعيات فانخرطوا في محيطهم وتعلموا منه ونسجوا شبكة من العلاقات ؟ هؤلاء لا يخشون البطالة إلا نادرا إذ لا يرضون بالجلوس على الربوة والانتظار لرحمة تأتي من الدولة فقد تعودوا على النشاط ولهم درجة عليا من الفضول تجعلهم يقبلون بالعمل ولو في غير اختصاصهم لأنهم واعون بأن أي شغل فيه اكتشاف وفيه تجربة تساهم في التكوين الشخصي إن لم يكن علميا فهو اجتماعي، وفي حال لم يقع انتدابهم في بلدهم يبحثون عن فرص خارجه أو يسجلون أنفسهم في برامج تكوين إما في اختصاصهم للارتقاء بمعارفهم والحصول على شهادات أرقي من التي يملكونها أو لإثراء فرص الفوز بشغل أو استعدادا لبعث مشروع خاص والعمل المستقل.

 

أم أننا نتحدث عن أولئك الذين سُجلوا بمؤسسة جامعية لكنهم لا يحضرون الدروس إلا نادرا ولا يطالعون ولا ينشطون في أي مجال ويعولون على الغش في الامتحانات للحصول على الشهادة ويغادرون الجامعة وهم لم يتحصلوا على كفاءات تؤهلهم للفوز في المناظرات ولا ينجحون في اختبارات الانتداب، فهم لا يحسنون التواصل الهادف إذ يتكلمون خليطا من العربية الدارجة والفرنسية وبعض الكلمات الانقليزية، ولا يقدرون على الكتابة بأي لغة مع احترام قواعدها ولا يملكون الرصيد اللغوي الذي يسمح بالتعبير عن الأفكار إن كانت لهم أفكار. لكن رأس مالهم الذي يريدون الارتقاء به اجتماعيا هو هذه الشهادة وهم في قرارة أنفسهم لا يقدرونها كثيرا علما بالكيفية التي تحصلوا عليها.

 

الثورة وكشف المستور


وبعد الثورة ابتكروا مفهوما جديدا للتعبير عن عطالتهم فعوض أن يعبروا عن وضعهم كعاطلين عن العمل يصفون أنفسهم بأنهم «معطَلين» عن العمل بمعنى أنهم ضحايا وليسوا مسؤولين عن وضعهم. هل هم فعلا غير مسؤولين؟ نعم ولا.

 

لا لأن كل واحد مسؤول عن تبعات أفعاله ولو جزئيا، وهم كانوا كسولين ولم يبذلوا المجهود المطلوب لما مروا بالجامعة. ولكنهم أيضا ضحية اختيارات سياسية لم تواكب التحولات العميقة للاقتصاد العالمي الذي أصبح يتحرك بفعل المعرفة، ولم تعتبر طبيعة النسيج الاقتصادي التونسي الذي يتكون من حوالي 80 % من مؤسسات فردية غير قادرة على التشغيل وبخاصة حاملي الشهادات العليا، ولم تثمن ولم تستثمر بما فيه الكفاية في التكوين المهني، ولم تطور منوال التعليم بصفة تمكن من الاكتشاف المبكر والعناية بالمواهب عند الأطفال مهما كان الوسط الذي نشؤوا فيه.

 

وهكذا عوض أن يقع الاعتناء برأس المال البشري الوطني وقع التفريط فيه فضاع شباب عبر سنوات بالمؤسسات الجامعية وبعد التخرج كان يمكن أن يكونوا مهنيين ماهرين ومبدعين في فنون شتى وباعثين لمؤسسات اقتصادية ناجحة في خلق الثروة واقتحام الأسواق الداخلية والخارجية مستفيدة من كفاءات مختصين حقيقيين «يعرفون من أين تؤكل الكتف» في مختلف مجالات التصرف المالي والتجاري والتقني أو التنظيمي.

 

هؤلاء المتحصلين على شهائد التعليم العالي الذين ليس لهم شغل هم أيضا ضحايا بعض المدرسين بالجامعة الذين يعتمدون طرقا بيداغوجية بالية تفضل الخطاب عن التفاعل بين الطالب والأستاذ وبين الطلبة أنفسهم، على أساس أن الأستاذ هو وحده الذي يعرف، ويركزون على النظريات دون السؤال عن التطبيق، وأحيانا تكون النظريات تخطاها الزمن دون علم الأستاذ الذي يدرّس ولا يبحث، ويستغل نفوذه للإبقاء على تخلف علمي في مجاله داخل المؤسسة الجامعية، ويعطي المثال السيئ للأجيال عن وعي أو غير وعي. ومن نتائج هذا السلوك لم يعد الدرس يثير الاهتمام ولا الفضول عند طلبة يعيشون الزمن الحاضر ويعلمون الكثير عن العالم عبر الانترنت. ولو كانت الدروس تطعم بنتائج بحوث ميدانية لما ساعدهم ذلك على فهم واقعهم ووضع استراتيجية لبناء مستقبلهم داخل الوطن.

 

إن الوسط الجامعي الذي يغيب فيه البحث العلمي والأنشطة الثقافية والرياضية وكذلك حياة اجتماعية خلاقة وثرية تطغى عليه الصراعات والمنافسة على المواقع لا على المعارف ويصبح تربة خصبة للفساد بجميع أشكاله وبخاصة فيما يتعلق بانتداب وارتقاء المدرسين حيث تطغي العلاقات والمصالح الشخصية على القرارات دون الكفاءات، فكم من مترشح لخطة مساعد أو أستاذ مساعد له بحوث وتجربة في دول متقدمة أحيانا ولا يفوز بالخطة التي تطلّع إليها في حين يتحصل عليها من هو أو هي أقل منه معرفة وتجربة بفضل انتمائه (ها) إلى «شلة» ما.

 

الحلول الممكنة


بدون تعميم، هذه بعض ملامح الوضع الذي لم يغب عن وعي فئات من الشعب يبدو أنها آخذة في الاتساع وما يدل على ذلك هو عدد الطلبة الذي أخذ في الانحدار منذ سنة 2010 حيث كان العدد، حسب احصائيات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، 360.172 سنة 2009 وأصبح 292.291 سنة 2015، في حين أنه كان من المتوقع ضمن مخططات الدولة أن يستمر عدد الطلبة في الارتفاع إلى أن يستقر في مستوى 500.000 سنة 2009!

 

مالعمل اليوم؟ لا بد من الاقرار أنه لن يمكن القضاء عن البطالة بصفة كلية ولا بد من قبول مبدأ إقرار منحة بطالة لكن بشروط حتى لا تتحول إلى محرك للركود والكسل الفردى والمجتمعي أيضا. ولا بد من التخلي عن التوجهات الشعبوية التي تمجد الشهادة بقطع النظر عن محتواها المعرفي والمهني بما في ذلك الاستعمال المفرط لكلمة معطَلين عوضا عن عاطلين، كلمة تلغي الشعور بالمسؤولية المشتركة. ولعل برنامج «فرصتي» الذي وضعته وزارة التشغيل لحمل العاطلين عن العمل على الدخول في سياق التأهيل وتنمية القدرات واكتشاف البون الشاسع بين الكفاءات المطلوبة في سوق الشغل وما وفرته الشهادة فكريا ومهنيا سيغير الكثير إن كتب له النجاح، فقد تكسب إعادة التأهيل المنتفعين بها مزيدا من الواقعية والنضج والتنمية الشخصية وثقة في النفس. ولا بد من الإشارة إلى أن نجاح هذا البرنامج يتحدد بمدى مهنية المرافقين الذين سيقع تسخيرهم لفائدة المترشحين كما أن تجربة مرافقة الباعثين الجدد في دول أخرى تبين أهمية الاستعانة ببعض المتطوعين وبخاصة أصحاب المؤسسات الذين لهم تجربة وكذلك أصحاب المهن الحرة من محاسبين ومحامين ومهندسين ومستشارين في مجال التصرف...

 

إن مناهج التعليم تقر حاليا بوجوب التربص لكل طالب ولكن لم تُسخَر اعتمادات للتأطير ولا للانتقال إلى حيث توجد المؤسسات بالنسبة للطلبة الذين ينتمون إلى مناطق تغيب فيها المؤسسات المنظمة بالعدد الذي يسمح باستيعاب كل الطلبة، واليوم يجب تدارك هذا الوضع وإيجاد الاعتمادات اللازمة من أجل تحقيق المساواة بين الطلبة مهما كانت الجهة التي يدرسون بها مع العلم أن الحاجة إلى تجربة خارج الجهة الأصلية تكون أكبر لما يكون النشاط الاقتصادي والثقافي بها ضعيفا. إن توجه الاقتصاد العالمي إلى العولمة وإلى المعرفة يحتم على بلادنا، إن أرادت الاندماج فيه كبلد يتمتع بقدرة تنافسية عالية تعليما جامعيا راقيا يتخرج منه أخصائيون ذوي مستوى يضاهي الأخصائيين في العالم، ويحتم مساهمة الجامعة في التكوين المستمر الذي ينهل من الرصد المتواصل للمعارف وللتكنولوجيا، و يفرض تغييرا ثقافيا على مستوى المجتمع تتولد عنه قيما تثمن المواهب والمهن يدوية كانت أو فنية أو فكرية على أساس جودة المخرجات لا على اعتبار عناوين شهادات لم يقع اخضاعها إلى عمليات تقييم ولم يقع اعتمادها حسب المقاييس الدولية.

 

د. رياض الزغل

src:lemaghreb.tn