الجامعة في تونس ومتطلبات المرحلة



تعد الجامعة في التاريخ الحديث من أهم المحاضن التي يتلقى فيها الطالب اضافة إلى تكوينه العلمي و الأكاديمي ايضا تكوينه الفكري و السياسي و النقابي و هي من أولى النوافذ التي تفتح بين الشباب و المدارس الفكرية من يسارية و قومية و اسلامية و ليبرالية 
في رأيي كل مدرسة فكرية يجب أن تطرح مجموعة من الأسئلة حتى تستطيع أن توظف الطالب و الجامعة أحسن توظيف و هذه الأسئلة هي كالأتي :
ما هو وضع الجامعة الحالي؟
من هو الطالب الموجود الآن في الجامعة ؟ ماهي اهتماماته.؟
ما هو الدور المطلوب من الجامعة في التنظيم او المدرسة الفكرية؟
ما هو دور الطالب في الجامعة؟
ماهية أسس الشخصية الفكرية و السياسية التي يجب ان يتخرج بها الطالب؟
و الإجابة على هذه الأسئلة يعد خارطة طريق من أجل ارساء عمل داخل الجامعة يكون مستجيبا للمتطلبات الفكرية و الإيديولوجية لأي مدرسة فكرية و يكون الخطوة الأولى لإرساء منهجها و تصورها الثقافي و النقابي و الاجتماعي للمجتمع.
الجامعة في تونس و منذ اواسط التسعينات و ضرب الحركة الطلابية و خاصة أهم المنظمات النقابية و هي الإتحاد العام التونسي للطلبة و هي تعاني شللا شبه تام في كل حراك نقابي و ثقافي و سياسي، حيث ركز النظام على اخراج الجامعة من لعبة التجاذبات السياسية و ذلك لعدم قدرة النظام على التحكم في الجامعة و فرض وجوده من ناحية و ناحية أخرى أن الجامعة تمثل اكبر خطر محدق بنظامه و قد تجلى ذلك في أحداث 90-91-92 مع الإتحاد العام التونسي للطلبة و تيار الإتجاه الإسلامي بالجامعة و من هذا المنطلق حاول النظام ضرب كل معالم و مظاهر الحراك الفكري داخل الجامعة و طبعا من ورائها تدجين الجامعة بكل مكوناتها حتى لا تكون عنصر ارباك بالنسبة له و تم تدجين الجامعة بـ:
أولا : تغييب كل نشاط ثقافي و فكري و حتى نقابي داخل اطر الجامعة و تعويضه بالحفلات الماجنة و الداعية إلى الإنحلال الأخلاقي
ثانيا : التضييق على كل نشاط نقابي أو سياسي و هرسلة كل النخب الطلابية و التضييق عليها في العمل و استعمال سلاح مجالس التأديب و الإدارة لتخويفها و تصل حتى الإقصاء من الدراسة
ثالثا: تفعيل منظومة الأمن الجامعي و طلبة التجمع ليكونوا جهاز مخابراتي لرصد و قمع أي تحرك طلابي أو نقابي ذو نفس تحرري
بعا: تحييد الطالب عن صفة الطالب المواطن بخلفية وطنية و بعنصريها العروبي و الإسلامي المتفاعل مع قضايا شعبه و أمته و جعله الطالب التقني المطالب بحصر اهتماماته بالحصول على الديبلوم العلمي و في واقع الأمر حتى في هذه النقطة لم ينجح النظام نظرا لمناهج الدراسة التراكمية المعتمدة على الحفظ ليس على عنصر البحث الذي ينمي المقدرة المعرفية لدى الطالب .
كل هذه المعطيات جعلت معظم الطلبة سلبيين في علاقتهم بالقضايا الوطنية الكبرى و غير واعين في معظم الأحيان بدورهم داخل أطر المجتمع المدني و مغيبين في معظم المحطات الكبرى و مهمشين في دورهم السياسي ، فانحصرت اهتماماتهم في بعض الأنشطة الرياضية او الفنية بالمعنى الإستهلاكي و التمييعي اذ تجد ملاعب كرة القدم ممتلئة و حفلات الميوعة و الفن الهابط كذلك ممتلئة و اختلط الحابل بالنابل في اذهان الشباب و الطلبة بين الفن الراقي و الفن الهابط و ضيع معظم الشباب وقته الثمين في المقاهي بين حديث على مقابلات كرة القدم و بين مواضيع في مغلبها لا تمت لواقعه بصلة طبعا هذا الجو من القمع والإستبداد و اغلاق المساجد و مراقبة مرتاديها و غياب التأطير الديني و الشرعي ساهم في ظهور فئة من الشباب ذو التوجه السلفي هذه الفئة كانت في قطيعة مع الواقع والأصول التاريخية لفقه المذهب المالكي في تونس مما ولد في بعض الأحيان حالات عنف و مواجهة مع النظام.
جاءت الثورة في 14 جانفي كلحظة تاريخية فارقة في حياة التونسيين و في حياة الجامعة و الطلبة لكن في واقع الأمر لم يكن هناك رجة بما فيه الكفاية لتغيير المفاهيم الأساسية في ذهن الطالب و خاصة اذا اخذنا بعين الإعتبار ان نسبة مشاركة التونسيين في الثورة هي 12 % و اذا اعتبرنا ان هناك 400 ألف طالب فسيكون عدد المشاركين في حدود 50 ألف طالب في الثورة و يمكن اعتبار ان هناك مخاض و ان هناك رحلة بحث عن الذات بدأت تتسع عند شريحة كبيرة من الطلبة وتتمظهر في الإنخراط في الأحزاب و العمل الجمعياتي و النقابي داخل أسوار الجامعة فقد شهدت الجامعة خلال السنة الفارطة زخرفا من الحراك، اذ على المستوى السياسي نجد بروز عدة فصائل سياسية طلابية على غرار بعض تنظيمات اليسار الصغيرة و التي كانت في معظمها موجودة قبل الثورة و اصبحت اكثر وضوحا بعد الثورة في النشاط لكن بقيت محدودة في العدد و المكان و ذلك يعود لطبيعة التكلس الفكري الذي تعانيه الحركات او الأحزاب الأم و كذلك فصيل شباب النهضة بالجامعة و الذي كان ظهوره باهتا و ليس بمستوى الزخم الانتخابي الذي حصلت عليه الحركة اما على المستوى النقابي فنجد حضور الإتحاد العام لطلبة تونس كمنظمة تسيطر عليها بعض القوى اليسارية و القومية و تعاني تجاذبات و تشرذم داخلي نظرا لسعي كل طرف توظيفها لصالحه و السيطرة عليه و هناك ايضا محاولات للإحياء الإتحاد العام التونسي للطلبة من هيئات و تنسيقيات انصار لم تجد سبيلها إلى الشريحة المهمة من الطلبة و هناك تجارب اخرى في العمل التنظيمي داخل الجامعة مزجت بين فكرة العمل النقابي و الخدمي على غرار صوت الطالب التونسي في بعض الجامعات في صفاقس و الطلبة الإسلاميون في قابس و ايضا عدد لا بأس به من النوادي و الجمعيات ذات البعد الثقافي و العلمي كنادي الفكر و الهوية و منظمة الطلبة القادة و ايضا ظهور عدد كبير من القائمات المستقلة و المحسوبة على عديد الأطراف منهم الإسلاميين المستقلين و اليسار و حتى في بعض الأحيان التجمعيين.
و في تقديري سيأخذ هذا الحراك فترة من الزمن حتى تتبلور من ورائه شخصية الطالب الجديدة ، شخصية الطالب ما بعد 14 جانفي و هنا أنا ارى الدور التاريخي الذي يجب ان تلعبه القوى السياسية الفاعلة في البلاد التي تمثل مدارس فكرية ايدولوجية تتماشى مع هوية الشعب و مقدساته ،هذا الدور هو
حيوي و استراتيجي للاستكمال الثورة و اعطائها بعدها الثقافي و تكريس مفاهيم المواطنة و الانتماء وكل هذه المفاهيم في تقديري تتبلور في النقاط التالية:
* العمل على صياغة شخصية الطالب متوازنة و معتز بانتمائه
* ترسيخ ثقافة التعددية و قبول الأخر و ارساء مؤسسات المجتمع المدني
* العمل على بعث روح المبادرة و المساهمة في اطر المجتمع المدني و محاربة الروح الإنتظارية و الاستهلاكية التي تغلب على اغلبية شبابنا
* الانفتاح في استيعاب كل الشرائح الطلابية
* صياغة برامج و اليات تعتمد على قراءة مستفيضة للواقع و تستجيب لمتطلبات الطالب
و أخيرا يجب أن نعي جيدا أن الطالب في الجامعة يشعر بمسؤوليته تجاه الواقع الذي يعيشه ، حينها يتسائل ما دور الطالب في الجامعة ؟ كيف ينجح؟هنا في تقديري يكون الدور المركزي لتراكم التجربة و استحضار الخبرات في مجال العمل داخل الجامعة للآخرين حتى يستنير بها و لكن لا يسوغ أن يكون مجرد انسان يجيد طرح التساؤلات و المشكلات و يبحث عن الحلول الجاهزة بل مهمته تتعدى ذلك لتبدأ في التفكير في المشكلة وتنتهي في البحث عن أسبابها و حلولها و دور خبرات الأخرين ليس اعطاء الحلول و انما في اثراء التجربة و تقويمها.
 
رياض المستوري
src: achahed.com